X
 
  • Filter
  • Time
  • عرض
مسح الكل
مشاركات جديدة

    ابو زيد الهلالي سلامة
    الفارس والشاعر المعروف

    كان يا مكان يا سعد يا اكرام ما يحلى الكلام الا بذكر النبي عليه الصلاة و السلام

    . . . مر على بني هلال حين من الدهر أصابهم فيه الجوع , فقد شحت المراعي وقل الكلأ والمرعى , فمات أكثر حلالهم وأصاب القبيلة كلها الجوع والعطش فاقترحوا إرسال شخص يستكشف لهم الأراضي ويبحث لهم عن الأرض الطيبة فترحل لها كل القبيلة , وبالفعل نال هذا الاقتراح إجماع كل القبيلة إلا أنهم حاروا فيمن يرسلون وكان بالقبيلة شخص مسنّ - وقيل إنها عجوز - هذا الشخص يؤخذ رأيه فاستشاروه فيمن يرسلون فاشترط عليهم شرطاً قبل أن يقترحون من يرسلون وكان شرطه أن ترحل القبيلة كلها مسيرة يوم كامل بدون توقف وبعدها يعلمهم من هو الشخص المناسب , وبالفعل رحلت القبيلة مسيرة يوم كامل بدون توقف وبعد أن نزلوا بالمكان المحدد رجعوا له وسألوه عن الشخص فقال لهم هو أبو زيد الهلالي سلامه . . . فسألوه عن سبب اختياره له فقال أثناء رحيلنا لاحظت كل أبناء القبيلة يراوحون بالركوب بين ورك وورك أثناء الركوب على المطية إلا أبا زيد فقد كان ركوبه على ورك واحد حتى نزل وهذا دليل صبره وجلادته . . . واختاروه فعلا وأرسلوه , وقد طلب أن يرافقه اثنان من أبناء القبيلة ورحل هو ورفاقه يبحثون عن المرعى للقبيلة كلها . . . وطال بهم المسير دون جدوى , وتقطعت مطاياهم , وأصابهم الجوع فكانوا قرب قرية فنزلوا بسوقها ولم يجدوا من يطعمهم , كما لم يوفقوا إلى عمل يرتزقون منه . . . فاحتاروا بأمرهم , وكان أبو زيد واسع الحيلة داهية فاقترح على رفاقه أن يبيعوه في سوق المدينة على أنه عبد لهم , فقد كان أسمر اللون . . . وأمام إلحاحه وافقوه على أن يبيعوه ويشتروا بثمنه مطايا وزاداً لهم , ويواصلوا البحث . . . أما هو فقد قال لهم أنه سيستطيع تخليص نفسه , على شرط أن يواصلوا هم البحث عن المراعي للقبيلة



    فاتفق الثلاثة ونزلوا سوق المدينة . . وباعوه . . وقبضوا الثمن كما تم الاتفاق واشتروا بثمنه المطايا والمتاع . . . وقد كان ينوي الهرب من سيده الذي استراه , إلا أن هذا السيد كان نبيلاً وطيباً , أولاه ثقته وجعله وكيلاً على أمواله فصعب على أبو زيد أن يخون الأمانة ويهرب . . . ومن هنا كانت معاناته واستمر في خدمته فتره . . . وذات مرة كانوا جالسين بمجلس هذا السيد وأبو زيد بالقرب من الدلال يصنع القهوة . . . فتمنى السيد من يجيد العزف على الربابة ليحلوا لهم السمر فعرف أبو زيد أنها فرصته فنهض مسرعاً وأخذ الربابة وأنشد يقول



    يقـول الهـلالي والهـلالي سـلامـه



    شـوف الفجـوج الخاليـات تــروع



    يقـول الهـلالي والهـلالي سـلامـه



    يبغـي الطمـع وهـو وراه طمــوع



    لابد عقـب الوقـت من لايـح الحيـا



    مـن بارقـن يوصـي سنـاه لمـوع



    لابـرقـن إلا فـي حجـا مستهلــه



    ولا طـرقـي إلا مـن وراه نجــوع



    ولا ضحـك إلا البكـا مـردفـن لـه



    ولا شبعــة إلا مقتفيهــا جـــوع



    ولا يــدن إلا يــد الله فـوقهــا



    ولا طـايــرات إلا وهـن وقــوع



    ألا يا حمامتيـن فوق نبنـوب دوحـة



    وراكـن فرقـن والحمــام ربــوع



    حمـامتيـن جعـل تبلــن بنــادر



    حـر قطـوع وجـاري لـه جــوع



    وراكـن مـا تبكـن عليـا مظنتــي



    لو كـان مـا يجـري لكـن دمـوع



    أبكي عليهـا ليـن حفيـت نواظـري



    ولانـي بمـن تدبيـر الإلـه جـزوع



    حشى ما لاق غير الجـازي أم محمـد



    عليهـا ثويـب الطيلســان لمــوع



    تنفـق كمـا نفـق الوغيـد مـع أمـه



    وتحـط الهـوى في قلـب كل ولـوع

    قد يستغرب القارئ من تكرار اسم الشاعر بالبيت الأول والثاني ولكن ذلك لتأكيد أنه الهلالي وليس عبداً وقد بين للسيد أنه جاء يبغي الطمع فصار الطمع برأسه . . . عرفه السيد وأنَّبه على ما عمل وأطلق سراحه وأغدق عليه


    أنا تلك المرأة التي لا تفلتر أفكارها كي تخرج لبقة
    أريدها خاماً متسخة كما هي برأسي .. أريد أن أعرف ذلك القابع برأسي لا على لساني...
    Similar Threads

    #2
    بارك الله فيكى وجزاكى خيرا أين باقى القصة فهى شيقة جدا جزاكى الله خيرا
    تعليق

      #3
      Originally posted by aelshemy عرض المشاركة
      بارك الله فيكى وجزاكى خيرا أين باقى القصة فهى شيقة جدا جزاكى الله خيرا
      بارك الله فيك اخي وجزاك خيرا علي مرورك وتشريفك الطيب
      أنا تلك المرأة التي لا تفلتر أفكارها كي تخرج لبقة
      أريدها خاماً متسخة كما هي برأسي .. أريد أن أعرف ذلك القابع برأسي لا على لساني...
      تعليق

        #4
        تغريبة بني هلال :

        كان يا مكان يا سعد يا اكرام ما يحلى الكلام الا بذكر النبي عليه الصلاة و السلام
        قيل ان بني هلال كانوا بدو واعدادهم آبيره عندما نزحوا من الحجاز بعد ان تتابع عليهم الفقر والقحط وقد ارسلوا يبحثون عن بلاد خصبه صالحه لهم ولحلالهم واختاروا شخص واحد بعينه لانهم عارفينه جيدا فكان الشجاع ( ابو زيد الهلالي ) ويرافقه اثنان هم يونس ومرعي وعندما وصل الثلاثه الى مكان تونس حاليا وكانو سايرين على ركابهم قبل اغلاق قناة السويس كان موضوعه بالطريق لري الماء استنكرهم اهل البلد وسجنوهم عند زعيم البلاد الزناتي خليفه وكان للزناتي بنت يعتمد عليها في بعض الامور لانها تعرف ( بالكهانه ) تسمى (الصفيراء ) فعرفتهم البنت لانها كانت بالسابق قد قالت ان هنالك قوم سيأتون لارضنا وسينازعوننا عليها واول ركبهم ثلاثة منهم ولكن بنت الزناتي هذه عندما رأتهم وقع الحب في قلبها ( لمرعي ) لجماله الشديد وبدون ان يعلم والدها قابلت ابا زيد الهلالي واخبرته انها تعرفهم واحدا واحدا وبرهنت على ذلك بأن اخبرت ابا زيد بنجد والحجاز واسماء قبيلته واسمائهم وسبب مجيئهم لتونس وقالت له سوف اجعلكم تأتون لبلادنا ولن اخبر والدي بأمرآم بشرط ان تزوجني من مرعي ولد اختك وسوف احجز مرعي ويونس عندي لحين تعود بأهلك وساعتها اطلقه وتزوجنيه والا سوف اخبر ابي الزناتي بكل شي وستطير رقابكم آلكم فعاهدها ابا زيد على آل شي واحضروهم الثلاثه عند الزناتي خليفه وسألهم من انتم ولماذا انتم في بلادنا وقد شك في امرهم الزناتي لانه قد تذآر ان بدوا سيأتون للبلاد غازين آالجراد ومقدمتهم ثلاثه شبان فسأل أبنته الصفيراء هل هم الثلاثه التي تكهنتي بهم من قبل فقالت : ليسوا هم وكانت تكذب وقالت : انظر لهذا العبد انه اسمر اللون كيف يكون زعيم قوم وليس لرأسه شعر بسبب نقل الماء على رأسه لمعازيبه ولكن سبب قلة شعر ابا زيد من كثر لبسه للخوذه والدروع بالحروب فلما اقتنع الزناتي ظاهريا بالامر امامهم اطلق ابا زيد وقال اطلقك ولكن الاثنان الباقين سيبقون لدي فأنا اشك بهم وسوف اعرف خبرهم.



        ولكن الزناتي آان داهية ايضا فوضع خطه لكشف ابا زيد بأن أمر مولى له يسمى العلام بأن يكون جاسوسا يرافق ابا زيد لخارج تونس وقال الزناتي للعلام خذ معك بعض الرجال وعندما تصلون لمكان آذا في ارضنا اجعلوه يوقد لكم على النار للعشاء وانتم قوموا وألعبوا على الخيل وتسابقوا واخبرني ماذا يحصل اذا انتبه للخيل فلما وصلوا للمكان الذي حدده لهم الزناتي قال العلام : قم يا عبد اوقد النار واعمل العشاء وآانت الشمس قبل الغروب فقام ابا زيد واوقد النار وجلس عند القدور يعد العشاء وساعتها قام العلام ورجاله واخذوا يتسابقون على الخيل امام ابا زيد ويلعبون وعندما شاهدهم ابا زيد تأثر برؤية الخيل وترك القدور وانفعل وابتهج بما يشاهد وآان العلام يراقبه وآانت بنت الزناتي قد حذرت ابا زيد قبل ابعاده بأن ابوها يشك ولابد ان يعمل له حيله ونزل العلام ورفاقه من خيلهم وجلسوا ثم قام العلام وابتعد عن رجاله ونادى ابا زيد فقال العلام : انت زعيم ولست عبدا وسنعود بك للزناتي لقتلك فأخذ ابا زيد بدهائه يقص عليه قوة قومه وشجاعة فرسانهم فتضايق العلام من هذا العبد وقال اني سوف اطلقك بشرط ان تعاهدني على ان تحضر فرسانا من قومك يشبعونني طرادا على الخيل على ان تقتلني او اقتلك وسأحتال في اطلاقك وآان يقول ذلك بتباهي لقوته و استصغارا لابا زيد ولقومه قال ابا زيد : لك ماتريد وهذا عهدا مني بما تريد ياعلام وفي منتصف الليل قام العلام وآلهم نائمون فتقدم من ابا زيد وقال قم ياعبد فقال ابا زيد مانمت ياعلام لكن لي طلب يونس ومرعي ما اهرب الا هم معي قال العلام : ياعبد ماذا تريد بهم قال ابا زيد : امانه ولا اقدر على ترآها فأعطاه العلام آلمة السر لصاحب بوابة السجن وآانت الصعوبه بدخول البوابه والباقي يسير وقال العلام يا ابا زيد سوف اتأخر بالوصول للزناتي واخبر من معي بهروبك في الصباح فهرب ابا زيد ودخل المدينه لينقذ اصحابه وعند البوابه قال صاحب السجن من بالخارج قال ابا زيد : العلام قال صاحب البوابه : ما نخبر العلام في هذا المقام زاير أي العلام ما يجي بهذا الوقت فقال ابا زيد الهلالي آلمة السر فأرتبك الحارس وفتح البوابه وآان الظلام لايميز به احد فدخل ابا زيد للداخل وآان يعرف مكانهم لانه آان معهم من قبل وحين دخل المكان لم يجد الا يونس وقال له يونس ان مرعى عند الصفيراء ولايمكن فكه ولا وقت لدينا وعلينا بالهرب قبل انكشاف الامر فتضايق ابا زيد لترآه مرعي خلفهم وخرجوا هاربين ليلا الى نجد وفي الصباح وصل العلام متأخرا وقصد صاحب البوابه فقال له : ما علمك يا صاحب البوابه قال : العلم البارحه انت خابره قال اخبرت احد بالامر قال صاحب البوابه انت مولنا ومايخرج السر من اثنين الا وينتشر وفجاءه اخرج العلام الخنجر وضربه بصدره حتى لا ينكشف امره وانتشر بعد ذلك خبر هروب ابا زيد ويونس .



        وعند رجوعهم اخبروا القوم بتونس الخضراء والزناتي وقومه وجيشه وتأسف على بقاء مرعي هناك مسجون فقرر ابا الزيد الرحيل بالقوم لذلك المكان الخصب وآان من بين فرسان بني هلال الفارس الشهير ذياب بن غانم وحيث آان ساعة الرحيل صبيا لم تظهر افعاله الا بعد الرحيل وآان سبب رحيل بني هلال القحط وقد قال شاعر من بني هلال السبب :



        ثمان سنين ماهوى نجد قطره

        ولا مزنة غراء ولا بذار

        لك الله صبيان النشاما تغيروا

        بناب ضحوك يعجب الخطار

        وايضا قول شاعر اخر :

        رحلنا ولا ابقينا بنجد حسوفه

        سوى عيلم بين اللواء وزرود

        والفين ورد الماء والفين صدره

        والفين ما بين العدام ورود

        تراها بوادي الشري يا جاهل بها

        عليها النواز النايفات اشهود

        ترد لها تسعين من جلد بكره

        وتسعين مع تسعين جلد قعود

        لا زاد ورده زاد مياح جمه

        عد الى حرك تراه يزود

        دفناه عن ناس تولاه بعدنا

        شحاح ولا بالطايلات تجود

        بذرنا عليه الجود لين امحلت به

        سنين القسا ما لجلجن برعود

        ورحلنا وعنه النفس ما هيب طايبه

        عسانا الى عاد السحاب نعود

        عسانا نعود ونبتها يكسي الوطا

        ومن عشب ترمسها عليه ورود

        غربيها زيزا بها الريم والمها

        وشرقيها يذرى عليه نفود

        عسى اله العرش يسقي ترابها

        وعليها بدهم الممطرات يجود

        حيث انها تالد بها شمخ الذرا

        ونصيها للصافنات مدود



        وبالبيت الثالث والعاشر نعرف ان منازلهم بوادي شري الواقع شمال الاسياح.



        فأخذوا اتجاه الشمال اولا ناحية العراق ومروا في طريقهم على الخفاجي عامر وهو شيخ وزعيم مشهور بالكرم وقصره يسمى الاخيضر ومعروف بنواحي العراق وقيل ان قصره مهاب لان فيه ثعبان يسمى( عربيد ) يظهر حينا ويختفى حينا ونزل القوم ناحية قصره واآرمهم واستظافوه بخيامهم وعاشرهم ومكثوا في تلك الارض مده فتعلق قلبه ببني هلال وبكثرة ( جمال بنات بني هلال ) تولع قلبه بحب احداهن وحين ارادوا الرحيل ترك قصره ورحل معهم وقيل ان ام الخفاجي اخذت تتبعه خلفهم وهو يقول لها انه سيعود وآان ليس معه الا فرسه وبعض اصحابه وبعض الطعام والماء ومما يوآد رحيله قول الشاعر منهم :



        واصبح ذو مكانه عندهم ومقرب لعليه قوم بني هلال واآتسح بني هلال الاراضي ناحية سوريا والاردن وفلسطين حاليا ثم انحدروا راجعين للجنوب ناحية سيناء ومصر واستمروا بالتقدم حتى اقبلوا على تونس وهم بطريقهم هذا في قتال مع من يمتنع او يطرد حلالهم عن الرعي وقيل ان حلالهم من ابل وخيل وغنم يغطي الافق وآذلك آثرة رجالهم وفرسانهم وعند حدود تونس ترآوا مواشيهم وابلهم بالاراضي الخصبه مع ذياب بن غانم حاميا لها لانه يعد عن مائة فارس وظهرت افعاله وذاع صيته في آل القفار وقالوا اما ان نجعل عندها ذياب بن غانم او مائة فارس فقال ذياب انا ابقى واحرسها ووصلت الاخبار الزناتي بقدومهم وآان الزناتي قد رأى رؤيا تبين خيانة ***ته الصفيراء بتهريب ابا زيد ورفاقه فسألها عما سيجرى من احداث فتكهنت وقالت جميع الجنود لاتخاف منهم الا ان آان شي قد آتبه الله وآانت تقصد ان من بين جنوده عبدا ربما يغدر به لاعداه لكن لم تفصح له بذلك وأآدت بأنه سينتصر وهي تعلم انه سيقتل ولكن اخفت ذلك لرغبتها باشعال الحرب مع بني هلال حتى تثأر من ابا زيد لخيانته ومساعدة مرعي على الهرب وهو في ذلك الحال جاء الخبر بقدوم وفد للزناتي للمفاوضه من بني هلال وحين سلموا عليه قال لهم الزناتي:



        ثم دعا الزناتي بنته الصفيراء مره ثانية وقال اخبريني بكل شي وهددها فقالت ان الامر انتهى وانت وعدتهم بالحرب والقوم على ابواب تونس وان آنت تعلم بما دبرته انا بخط الرمل او رؤياك فلا يفيد الان ولكن لاتخف فالنصر لك والقدر مكتوب فقال وهل تعرفين من قاتل ابوآي فقالت مافيهم الا رجل واحد ربما هو قاتلك فقال ذياب بن غانم قالت لكنه ليس معهم وهو بعيد عنك .



        وآان ابا زيد قبل هروبه وهو في سجن الزناتي قد تعاهد وصادق عبد من اهل الزناتي بان ينصره اذا عاد أليهم والدليل قول ابا زيد ابيات تؤآد ذلك :



        يقول ابو زيد الهلالي سلامه

        تجار نجد هالني آبر زومها

        يقولون ذا ونقول لا ثم ننثني

        لحاجتنا ناطا الغلا من حكومها

        عفا الله عني ليلة بت ساهر

        بجو السميراء بت اساهر نجومها

        بت لكني شارب قرقفيه

        امدفقة فيه الافاعي اسمومها

        نفسي تمنيني على ذبح خير

        على غير حق اوهمه من اوهومها

        وهو يذبح الكوما الى قلص القرا

        ولا قال يكفي درها عن لحومها

        ولولاه ما بتنا نجد عشيه

        ولا وقفت زلباتنا في حزومها

        وهو حسن الشدة وحسن الرخاء

        وهو اميرنا في جميع علومها

        ولو العجوز العامرية ما ارثت

        لنا حسن آنا جميع نلومها



        وبدأت المعارك وطالت الحروب بينهم وقيل ان الخفاجي عامر الذي ترك العراق وقصره قد حارب معهم شهرا آاملا ثم قتل وايضا قتل من بني هلال قوم آثير وعجز ابا زيد من قتل الزناتي وعجز القوم بين آر وفر عن هزيمة الزناتي وجيشه ولهذا اضطر بنو هلال ( الى ذياب بن غانم ) ( لأنه عن مئة فارس ) لان حضوره للحرب اهم من حراسة الحلال فأرسلوا له رجلا اسمه سعد وحين وصل الى ذياب بدأ يسأله عما حدث على بني هلال ويخص بالسؤال اعيانهم ويقول ذياب:



        ياسعد خبرني ولا تكن ما جرى

        عن الخيل والشبان من جا خيارها

        انشدك عن سابق بدير بن وايل

        هي من طوال الخيل او من اقصارها

        قال سعد :

        ياسيدي سابق بدير بن وايل

        ضربت بسيف هد عالي فقارها

        قال ذياب :

        انشدك عن عيال الزغابا الثلاثه

        هم نقوتي ياسيدي من صغارها

        قال سعد :

        ياسيدي آل الثلاثه ذبحوا

        ما جيتك الا قد توافت عمارها

        قال ذياب :

        انشدك عن ولد الخفاجي عامر

        عساه سالم من بلاوي اخطارها

        قال سعد :

        ثلاثين ليلة حامي الترك عامر

        لك الله ما درى ليلها من نهارها

        ومن ذبحته آل النسا زاد حزنها

        يهلن على قبر الخفاجي اعبارها

        قال ذياب :

        لا حلكم لا بلكم وابل الحيا

        ويقطع انجوع ما ثنت دون جارها



        فغضب ذياب وضرب سعد بعقب الرمح من شدة الغضب لما سمعه من سعد من تساقط خيار بني هلال وعجزهم القضاء على الزناتي وجيشه وعاد معه الى بني هلال وترآوا الحلال فلما وصل الى العرب وجدهم في غاية الذل من فعال الزناتي خليفه والعلام وآان والده آبير السن وليس له غيره من الاولاد وهو غانم النواق فأوصاه ذياب سرا ان يبتعد عن الزناتي خوفا عليه وامام القوم يشجعه على قتال الزناتي فسمعت ام ذياب مادار بين غانم وابنها ذياب وامه هي اخت ابا زيد فقالت خائفه :



        لا تردي ياولدي يا هداني مقصر

        عساك عن برد الجنان تغيب

        عساك يا ولدي وان تداريت عنهم

        شلفاه تخطيهم وفيك تصيب



        أما الزناتي فوضع على الممرات الذي يمتد الى قصره آلاليب يعرف مكانها ويبتعد عنها ودائما تخطف هذه الكلاليب الفرسان فيبقى الفارس معلقا فتمر من تحته فيعود الزناتي اليه ويقتله بسهوله وقد قال الزناتي ابياتا ذآر فيها انه اشار على قومه بالنزوح قبل الحرب ثم ذآر اسفه على بنته الصفيراء التي آان على الله ثم على رأيها عندما اشارت عليه اطلاق ابي زيد من السجن :



        يقول الزناتي والزناتي خليفه

        فنفس الفتي لا بدها من زوالها

        حلمت إلي ناشي من الشرق مزنه

        يمطر آما شوك البلنزا خيالها

        مشت خميس وامطرت يوم جمعه

        هلت على قومي مقادم افعالها

        مطرها الصبايا والسبايا وبرقها

        سيوف تلضي في يماني ارجالها

        ياليتني ماصرت شيخ لقابس

        وهني نفسي ما عليها ولا لها

        وهني نفسي ماآلت مال مسلم

        ولا خلطت مال اليتاما ابمالها

        نظرت قومي نظرة ما تسرني

        وجيه العذارا طلقوها ارجالها

        آبار اللحا لا بارك الله باللحى

        صغار اللحى شبوا بقومي فعالها

        إلا وابلادي زينة الماء مريفه

        مدعوجة بالنيل تندا اجبالها

        مساس عن الرمضا دآاك عن الحصا

        والبق والبرغوت ما جا بجالها

        وشيب عيني من عريب تنزلوا

        على مجنب البطحا وبنوا حلالها

        بنوا حلال من حلال قريبه

        بنوا حلال شاق عيني دلالها

        ترى خيلنا تسعين الف نعدها

        وتذآر لنا خيل الهلالي مثالها

        ولو اجتمع خيل الهلالي وخيلنا

        فأبا زيد يرآاها ويرآا مثالها

        وخان الصفيرا يوم خانت بأبوها

        ولا بنت إلا فان ابوها دلالها

        تشير بربط القوم واطلاق عبدهم

        واثري عبيد القوم حامي ثقالها

        أثر عبيد القوم زيزوم سربه

        يجر القنا جر السواني احبالها

        يشل الدمى شل الدلي يوم تمتلي

        لا ماحها الزعاب ثم ارتكالها

        سيفه تعايو عنه صناع دمشق

        ولى له جمجمه راس شالها

        لكن اعوى شامان في طوس روسنا

        عوى ذيبة تعوي لذيب عوالها

        وانا شاهد للعبد في ربع هدته

        ثمانين من قومي قلايع ارجالها

        هذا ولو ان العبد قد هد مثلها

        على آان التراك تيتم عيالها

        أثره امير ولد امير مجرب

        لاهد تعطيه السبايا آفالها

        ترى ما يجي عني مثل حذفة العصا

        واسرع من دور الرحايا باشتغالها

        ولولا بخط الرمل شيفت منيتي

        بسيف ذياب قد لا بازيد زالها

        هو قدم قومه وانا قدم قومي

        هو فهد القناصا وانا غزالها

        حذرا عن اللي آفيت القدر وجهه

        لاجا جنوب الخيل صيروا شمالها

        اللي قلع حدري ثمانين سابقا

        آبيشات ما في نجد تلقي امثالها

        واللي قلعت حدره من الخيل تسعة

        والعاشرة بالسيف انا زلت حالها

        إليا عقر له سابق جاه مثلها

        وإليا عقر لي سابق جا مثالها

        ان امهلت دنياي وادرآت هقوتي

        لا ازيل الصفيراء عن حياة تنالها

        مهبول يا مهبول من يأمن النسا

        ومن يأمن الحرمه إليا اقفت بفالها

        إليا بغت درب الردا ما يكودها

        تاطاه لو انه حماقا ارجالها



        ودخل الفارس ذياب بن غانم المعرآه وصار يزعج الخيل بصوته وفعله وآان يهجم على الفرسان من تحت القصر ويرعبهم وهم يتهربون منه فشاهده المسجون مرعي من الشباك وعنده الصفيراء بنت الزناتي آلهم مسجونين فطلب منها ان تعرف من هذا الفارس فقالت الصفيراء :



        وقف نبي ننشدك يا شايع النبا

        عن الخيل جتنا اليوم موم شليلها



        قال ذياب:



        ما حامي سباق غير فارس الدهما ذياب بن غانم الخيل ملحق هزيل



        ولم يصدق مرعي الخبر لانه ترك ذياب صغيرا ولم تظهر فروسيته وفعله في نجد وقال للصفيراء لايمكن هو صغير وقال إسأليه مره ثانية وآانت الصفيراء تريد التأآد ايضا منه وحين رجع ذياب يطرد قومها عاودت الصفيراء سؤاله مره ثانية وقالت :



        وقف نبي ننشدك يا شايع النبا

        هن الخيل جتنا بالعيال شرود



        فقال ذياب:



        ما غير فارس الدهما ذياب بن غانم

        وترى الشوف خرز والكلام يكود



        وفي الحال رجع الزناتي مع جنوده من الكمين يظن ان الكلاليب اختطفت ذياب بن غانم فتلقاه الفارس المغوار ذياب بضربه فصلت رأسه بعد ان لزم قصره أياما وآان الزناتي قد قال قصيدة السابقة الشهيرة وذآر فيها رؤياه بأن المزن تمشي من الشرق وتمطر شوك نيص يسمونه البلنزا على قومه ولم يعرفوا تأويلها الا بعد وصول بني هلال وحربهم بأسنة الرماح والسيوف وبعد ان قتل ذياب الزناتي قال ابياته الشهيرة بما دار بالمعرآة وانه آاد ان يقتل من فارس من قوم الزناتي يسمى وهق وعندما سقط وقام وجد الفارس سرور بن قايد قد آفاه شرهم :



        يقول الفتى الزغبي ذياب بن غانم

        لي راي اقسى من حديد المبارد

        ولي حربة سميتها سم ساعه

        اعرضه بالكون ما آان آايد

        حنا ابلينا بالخلا الفين فارس

        وحنا ثلاثين ولا زاد زايد

        واهل عشر منا تأدب الخيل بالقنا

        آزالي شروي هشيم الوقايد

        ابا زيد بايمنهم وانا من يسارهم

        آما النار لا شبت ابعض الحصايد

        واهل عشر منا اهملوا روس خيلهم

        واهل عشر منا موآدين الشهايد

        ينخون خيال بهم ماعرفته

        يقولون له يا وهق يا بالعوايد

        ضربني برمح تسعة ابواع طوله

        وقنطاره اللي من ورى الباع زايد

        ضربني وهق وانا مشيح لغيره

        إليا الدرع غاد فوق متني بجايد

        سديته بدسمالي وثوبي ومشلحي

        ايضا ولا سده جميع السدايد

        لكن طاحت الدهما وانا طحت فوقها

        يا طيحة ماهي لنا بالعوايد

        ولكن قامت الدهما تومي بعدته

        وانا آما شن على الجو بايد

        وانا رفعت راسي من بعد سدره

        اليا الخيل يأدبها سرور بن قايد

        على سرج قبا عندل بنت عندل

        مرفعة الذرعان من خيل قايد

        قل عشت يا قرم ثنا دون ربعه

        بيوم به المسناد والرد آايد

        وحنا عصافير وابا زيد سدره

        نلوذ به عن مرهفات الحدايد



        وحين رأى العلام مقتل زعيمه الزناتي قام وتزعم المعرآه ولم يقدر الفارس ابو زيد على قتله لانه قد تعاهد معه وله فضل على ابا زيد وعندما ضاق بهم البر وعجزوا ذهب ابو زيد الى عجوز طاعنه بالسن فأخذ رأيها ابا زيد في قتله رغم العهد معه قالت اعقر فرسه ويقتله غيرك لان العهد بينك وبينه وليس بينك وبين الفرس وفعلا تقدم ابا زيد الذي هو الوحيد الند للعلام ورمى الفرس وعقرها فسقط العلام من فوقها وحين سقط قال العلام:



        ابا زيد بقت العهد بيني وبينك

        تخون عهد الله يالغدار

        قال ابا زيد:

        لك الله يا العلام مانيب بايق

        ولا بيننا والسابقات جوار

        قال العلام:

        ابا زيد جرن سبق الخيل جنني

        عليها حماقا يدعون بثار

        منتديات الشلالحة

        قال ابا زيد:

        لك الله يا العلام مانيب شيخهم

        علينا آبار ومقتفين اصغار

        قال العلام:

        خذ السيف والدبوس مني هدية

        من قبل ما اذبح يوخذن اجهار

        قال ابا زيد:

        اهب يا العلام ما قو باسك

        لو هي بغيرك آان عقله طار

        قال العلام:

        والله يلوبه مدفع ما لحقتني

        لورف مهرك بالجناح وطار

        ولو دامت العباد تقرا مصاحف

        فيوم دنا ما زودوه نهار

        أنا تلك المرأة التي لا تفلتر أفكارها كي تخرج لبقة
        أريدها خاماً متسخة كما هي برأسي .. أريد أن أعرف ذلك القابع برأسي لا على لساني...
        تعليق

          #5
          حرب البسوس :

          كان يامكان ياسعد يا اكرام ما يحلي الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام


          أثارت الحرب أمرأة تدعى البسوس حينما قتل كليب بن ربيعة التغلبي ناقتها فقتله جساس بن مرة البكري رداً على ذلك فقام أخيه المهلهل (الزير سالم) بطلب ثأره.حيث استمرت الحرب أربعين سنة.



          وقعت هذه الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ، وقد مكثت أربعين سنة ، وقعت فيها هذه الأيام : يوم النهى ، ويوم الذنائب ، ويوم واردات ، ويوم عنيزة ، ويوم القصيبات ، ويوم تحلاق اللمم ، وجميعها أسماء مواضع تمت فيها الحروب ، ماعدا تحلاق اللمم لأن بني بكر حلقوا فيه جميعاً رؤوسهم فسمي بذلك. وانتصرت تغلب في أربع حروب، وبكر في واحدة، وتكافأت القبيلتان في حرب واحدة.

          وهذه قصة هذه الحروب:
          لما فض كليب بن ربيعة – اسمه وائل وكليب لقبه ، ولد سنة 440م ، ونشأ في حجر أبيه ، ودرب على الحرب ، ثم تولى رئاسة الجيش : بكر وتغلب زمناً حتى قتله جساس بن مرة سنة 494 م - جموع اليمن في خزا زى وهزمهم اجتمعت عليه معد كلها ، وجعلوا له قسم الملك وتاجه وطاعته ، وغبر بذلك حيناً من دهره ، ثم دخله زهو شديد ، وبغى على قومه لما هو فيه من عزة وانقياد معدّ له ، حتى بلغ من بغيه ، أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالاً له ، لا يختبئ أحد في مجلسه غيره ، ولا يغير إلا بإذنه ، ولا تورد إبل أحد ، ولا توقد مع ناره ، ولم يكن بكرى ولا تغلبي يجير رجلا ولا بعيراً أو يحمى إلا بأمره ، وكان يجبر على الدهر فلا تخفر ذمته ، وكان يقول : وحش أرض في جواري ، فلا يهاج ! وكان هو الذي ينزل القوم منازلهم ويرحلهم ، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره ، وقد بلغ من عزته وبغيه أنه اتخذ جرو كلب ، فكان إذا نزل به كلأ قذف ذلك الجر وفيه فيعوى ، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه ، وكان يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب ، فضرب به المثل في العز فقيل : أعز من كليب وائل ، وكان يحمى الصيد فيقول : صيد ناحية كذا وكذا في جواري فلا يصيد أحد منه شيئاً
          وتزوج كليب جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان، وكان لمرة عشرين بنين جساس أصغرهم ، وكانت بنو جشم ، وبنو شيبان تقيم في دار واحدة إرادة الجماعة ومخافة الفرقة.
          وحدث أن كليباً دخل على امرأته جليلة يوماً فقال لها: هل تعلمين على الأرض أمنع مني ذمة ؟ فسكتت، ثم أعاد عليها الثانية فسكتت، ثم أعاد عليها الثالثة فقالت: نعم، أخي جساس – وهو جساس بن مرة ، كان فارساً شهماً أبياً ، وكان يلقب الحامي الجار ، المانع الذمار ، وهو الذي قتل كليباً ، مات سنة 534 م - وندمانه، ابن عمه عمرة المزدلف بن أبى ربيعة بن ذهل ابن شيبان.فسكت كليب ، ومضت مدة ، وبينما هي تغسل رأسه وتسرحه ذات يوم إذ قال لها : من أعز وائل ؟ قالت: أخواي جساس وهمام. فنزع رأسه من يدها وخرج.
          وكانت لجساس خالة اسمها البسوس بنت منقذ، جاءت ونزلت على ابن أختها جساس، فكانت جارة لبنى مرة، ولها ناقة خوارة، ومعها فصيل لها، فلما خرج كليب غاضباً من قول زوجه جليلة رأى فصيل الناقة فرماه بقوسه فقتله. وعلمت بنو مرة بذلك، فأغمضوا على ما فيه وسكتوا، ثم لقي كليب ابن البسوس فقال له: ما فعل فصيل ناقتكم ؟ فقال: قتلته وأخليت لنا لبن أمه، وأغمضت بنو مرة على هذا أيضاً.
          ثم أن كليباً أعاد القول على امرأته فقال: من أعز وائل ؟ فقالت: أخواي ! فأضمرها في نفسه وأسرها وسكت، حتى مرت به إبل جساس وفيها ناقة البسوس، فأنكر الناقة، ثم قال: ما هذه الناقة ؟ قالوا: لخالة جساس. فقال: أو بلغ من أمر ابن السعدية – أي جساس - أن يجير عليّ بغير إذني ؟ ارم ضرعها يا غلام، فأخذ القوس ورمى ضرع الناقة، فاختلط دمها بلبنها.
          وراحت الرعاة على جساس فأخبروه بالأمر، وولت الناقة ولها عجيج حتى بركت بفناء البسوس، فلما رأتها صاحت: واذلاه ! فقال لها جساس: اسكتي فلك بناقتك ناقة أعظم منها، فأبت أن ترضى حتى صاروا لها إلى عشر، فلما كان الليل أنشأت تقول – بخطاب سعداً أخا جساس وترفع صوتها تسمع جساساً:
          يا أبا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل. . فإني في قوم عن الجار أموات

          ودونك أذوادي إليك فإنني. . محاذرة أن يغدروا ببنياتي

          لعمرك لو أصبحت في دار منقذ لما ضم سعد وهو جار لأبياتي

          ولكنني أصبحت في دار معشر متى يعد فيها الذئب يعدو وعلى شاتي
          فلما سمعها جساس قال لها: اسكتي لا تراعي: إني سأقتل جملاً أعظم من هذه الناقة، سأقتل غلالاً - وهو فحل إبل كليب لم ير في زمانه مثله، وإنما أراد جساس بمقالته كليباً -.
          ثم ظعن ابنا وائل بعد ذلك، فمرت بكر على نهى - أي غدير - يقال له شبيث ، فنفاه، كليب عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على نهى آخر يقال له الأحص ، فنفاهم عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على بطن الجريب - واد عظيم - فمنعهم إياه ، فمضوا حتى نزلوا الذنائب ، واتبّعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه ، فمر عليه جساس ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل ، وهو واقف على غدير الذنائب ، فقال له : طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا ! فقال كليب : ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون. فقال له : هذا كفعلك بناقة خالتي ، فقال له : أوقد ذكرتها أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لا ستحللت تلك الإبل بها ، أتراك مانعي أن أذب عن حماي ، فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضني – الحضن مادون الإبط إلى الكشح- .
          فلما تداءمه الموت قال: يا جساس ، اسقني من الماء. فقال : ما علقت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه. فالتفت إلى عمرو وقال له: يا عمرو ، أغثني بشربة ماء ، فنزل إليه وأجهز عليه .
          وأمال جساس يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله على فرسه يركضه ، وقد بدت ركبتاه ، ولما رأته أخته قالت لأبيها : إن ذا لجساس آتى كاشفاً ركبتاه ، فقال : والله ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم.
          فلما جاء جساس قال له : ما وراءك يا بني ؟ قال : ورائي أني قد طعنت طعنة لتشغلن بها شيوخ وائل زمنا. قال: وماهي ؟ لأمك الويل أقتلت كليبا؟ فقال : نعم ، فقال أبوه : إذن نسلمك بجريرتك ، ونريق دمك في صلاح العشيرة ، والله لبئس ما فعلت ! فرقت جماعتك، وأطلت حربها ، وقتلت سيدها في شارف من الإبل ، والله لا تجتمع وائل بعدها ، ولا يقوم لها عماد في العرب ، ولقد وددت أنك وإخوتك كنتم متم قبل هذا ، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل ، فأقبل قوم مرة عليه وقالوا : لا تقل هذا ولا نفعل فيخذلوه وإياك ، فأمسك مرة .
          ولما قتل كليب اجتمع نساء الحي للمأتم، فقلن لأخت كليب: رحلي جليلة من مأتمك ، فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب ، فقالت لها : يا هذه ، اخرجي عن مأتمنا ، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا ، فخرجت وهي تجر أعطافها ، فقالت لها أخت كليب : رحلة المعتدي وفراق الشامت ، ويل غداً لآل مرة ، من السكرة بعد السكرة، فبلغ قولها جليلة فقالت : وكيف تشمت الحرة بهتك سترها ، وترقب وترها ،أسعد الله جد أختي ، أفلا قالت : نفر الحياء ، وخوف الاعتداء .
          ولما ذهبت إلى أبيها مرة قال لها: ما وراءك يا جليلة ؟ فقالت: ثكل العدد وحزن الأبد ، وفقد حليل ، وقتل أخ عن قليل ، وبين ذين غرس الأحقاد ، وتفتت الأكباد ، فقال لها : أو يكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات ؟ فقالت: أمنية مخدوع ورب الكعبة أبا لبدن تدع لك تغلب دم ربها.

          وكان همام بن مرة ينادم المهلهل أخا كليب وعاقده ألا يكتمه شيئاً. فلما ظعن مره بأهله أرسل إلى ابنه همام فرسه مع جارية ، وأمره أن يظعن ويلحق بقومه. وكانا جالسين، فمر جساس يركض به فرسه مخرجاً فخذيه، فقال همام : إن له لأمراً ، والله ما رأيته كاشفاً فخذيه قط في ركض ، ولم يلبث إلا قليلاً حتى انتهت الجارية إليها ، وهما معتزلان في جانب الحي. فوثب همام إليها، فسارته أن جساساً قتل كليباً، وأن أباه قد ظعن مع قومه، فأخذ همام الفرس وربطه إلى خيمته ورجع ، فقال له المهلهل : ما شأن الجارية والفرس ؟ وما بالك ؟ فقال: اشرب ودع عنك الباطل، قال: وما ذاك ؟ فقال: زعمت أن جساساً قتل كليباً، فضحك المهلهل، وقال: همة أخيك أضعف من ذلك، فسكت. ثم أقبلا على شرابهما ، فجعل مهلهل يشرب شرب الآمن ، وهمام يشرب شرف الخائف ، ولم تلبث الخمر أن صرعت مهلهلا ، فانسل همام وأتى قومه من بنى شيبان ، وقد قوضوا الخيام ، وجمعوا الخيل والنعم ، ورحلوا حتى نزلوا بما يقال له النهى.
          ورجع المهلهل إلى الحي سكران ، فرآهم يعقرون خيولهم ، ويكسرون رماحهم وسيوفهم ، فقال : ويحكم ما الذي دهاكم ؟ فلما أخبروه الخبر قال : لقد ذهبتم شر مذهب ، أتعقرون خيولكم حين احتجتم إليها ؟ وتكسرون سلاحكم حين افتقرتم إليه. فانتهوا عن ذلك، ورجع إلى النساء فنهاهن عن البكاء وقال: استبقين للبكاء عيوناً تبكى إلى آخر الأبد.
          ولما أصبح غدا إلى أخيه فدفنه، وقام على قبره يرثيه ، وما زال المهلهل بيكي أخاه ويندبه ، ويرثيه بالأشعار ، وهو يجتزئ بالوعيد لبنى مرة ، حتى يئس قومه ، وقالوا : إنه زير نساء ، وسخرت منه بكر ، وهمت بنو مرة بالرجوع إلى الحمى ، وبلغ ذلك المهلهل فانتبه للحرب ، وشمر ذراعيه ، وجمع أطراف قومه ، ثم جز شعره ، وقصر ثوبه ، وآلى على نفسه ألا يهتم بلهو ولا يشم طيباً ، ولا يشرب خمراً ، ولا يدهن بدهن حتى يقتل بكل عضو من كليب رجلاً من بنى بكر بن وائل. وحث بنى تغلب على الأخذ بالثأر ، فقال له أكابر قومه : إننا نرى ألا تعجل بالحرب حتى نعذز إلى إخواننا ، فبالله ما تجدع بحرب قومك إلا أنفك ، ولا تقطع إلا كفك ! فقال: جدعه الله أنفاً ، وقطعها كفاً ، والله لا تحدثت نساء تغلب أني أكلت لكليب ثمناً ولا أخذت له دية ، فقالوا : لا بد أن تغض طرفك وتخفض جناحك لنا ولهم ، فكره المهلهل أن يخالفهم فينفضوا من حوله ، فقال: دونكم ما أردتم.
          وانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل فعظموا ما بينهم وبينه، وقالوا له: إنكم أتيتم أمراً عظيماً بقتلكم كليباً بناب من الإبل، وقطعتم الرحم، ونحن نكره العجلة عليكم دون الإعذار، وإننا نعرض عليكم إحدى ثلاث، لكم فيها مخرج ولنا مرضاة.
          إما أن تدفعوا إلينا جساساً فنقتله بصاحبنا، فلم يظلم من قتل قاتله ، وإما أن تدفعوا إلينا هماماً فإنه ند لكليب ، وإما أن تقيدنا من نفسك يا مرة ، فإن فيك رضا القوم.
          فسكت وقد حضرته وجوه بنى بكر بن وائل فقالوا: تكلم غير مخذول ، فقال: أما جساس فغلام حديث السن ركب رأسه ، فهرب حين خاف ، فوالله ما أدري أي البلاد انطوت عليه . وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم لصيح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره. وأما أنا فلا أتعجل الموت ، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل ! لكن هل لكم في غير ذلك ؟ هؤلاء بنيّ فدونكم أحدهم فاقتلوه ، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل. فغضبوا وقالوا : إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك ، ولا لتسومنا اللبن. ورجعوا فأخبروا المهلهل، فقال: والله ما كان كليب بجزور نأكل له ثمناً.
          واعتزلت قبائل من بكر الحرب ، وكرهوا مساعدة بني شيبان ومجامعتهم على قتال إخوتهم ، وأعظموا قتل جساس كليباً بناب من الإبل ، فظعنت عجل عنهم ، وكفت يشكر على نصرتهم ، ودعت تغلب النمر من قاسط فانضمت إليها ، وصاروا يداً معهم على بكر ، ولحقت بهم عقيل بنت ساقط.
          وكان الحارث بن عباد بن ضبيعة من قيس بن ثعلبة من حكام بكر وفرسانها المعدودين، فلما علم بمقتل كليب أعظمه ، واعتزل بأهله وولد إخوته وأقاربه ، وحل وتر قوسه ، ونزع سنان رمحه
          ووقعت الحرب بين الحيين، وكانت وقعات مزاحفات يتخللها مغاورات، وكان الرجل يلقى الرجل والرجلان والرجلين هكذا ، وأول وقعة كانت على ماء لهم يقال له النهى كان بنو شيبان نازلين عليه ، ورئيس تغلب المهلهل ورئيس شيبان الحارث بن مرة فكانت الدائرة لتغلب ، وكانت الشوكة في شيبان ، واستحر القتال فيهم ، إلا أنه لم يقتل ذلك اليوم أحد من بني مرة.
          ثم التقوا بالذنائب فظفرت بنو تغلب ، وقتلت بكر مقتلة عظيمة ، ثم التقوا بواردات فظفرت بنو تغلب ، وكان جساس بن مرة وغيره طلائع قومهم وأبو نويرة التغلبي طلائع قومهم أيضاً ، فالتقوا بعض الليالي فقال له أبو نويرة : اختر إما الصراع أو الطعان ، أو المسايفة – أي التضارب بالسيوف- ، فاختار جساس الصراع فاصطرعا ، وأبطأ كل واحد منهما على أصحاب حيه ، وطلبوهما فأصابوهما وهما يصطرعان ، وقد كاد جساس يصرعه ففرقوا بينهما.
          ثم التقوا بعنيزة فتكافأ الحيان، ثم التقوا بالقصيبات وكانت الدائرة على بكر ، وقتل في ذلك اليوم همام بن مرة أخو جساس ، فمر به مهلهل مقتولاً فقال له : والله ما قتل بعد كليب قتيل أعز عليّ فقداً منك.
          ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة، كل ذلك كانت الدائرة فيها لبنى تغلب، ثم إن تغلب جعلت جساساً أشد الطلب، فقال له أبوه مرة: الحق بأخوالك بالشام، فامتنع، فألح عليه أبوه فسيره سراً في خمسة نفر ، وبلغ الخبر مهلهل ، فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلاً من شجعان أصحابه ، فساروا مجدين، فأدركوا جساساً فقاتلهم ، فقتل أبو نويرة وأصحابه ولم يبق منهم غير رجلين ، وجرح جساس جرحاً شديداً مات منه ، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضاً، فعاد كل واحد من السالمين إلى أصحابه.
          فلما سمع مرة بقتل ابنه جساس قال: إنما يحزنني أن كان لم يقتل منهم أحداً، فقيل له: إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم، وقتل معه خمسة عشر رجلاً ما شركه أحد منا في قتلهم، وقتلنا نحن الباقين، فقال: ذلك مما يسكن قلبي عن جساس.
          فلما قتل جساس أرسل أبوه مرة إلى مهلهل: إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساساً فاكفف عن الحرب، ودع اللجاج والإسراف، فهو أصلح للحيين وأنكأ لعدوهم، فلم يجب إلى ذلك.
          ثم إن بنى بكر اجتمعوا إلى الحارث بن عباد، وقالوا له: قد فني قومك ! فأرسل بجيراً ابن أخيه إلى مهلهل وقال له: قل له: إني قد اعتزلت قومي لأنهم ظلموك، وخليتك وإياهم ، وقد أدركت ثأرك وقتلت قومك. فأتاه بجبر فهمّ المهلهل بقتله ، فقال له امرؤ القيس بن أبان – وكان من أشراف بنى تغلب وكان على مقدمتهم زمناً - : لا تفعل ، فوالله لئن قتله ليقتلن به منكم كبش ، لا يسأل عن خاله من هو ؟ وإياك أن تحقر البغي ، فإن عاقبته وخيمة ، وقد اعتزلنا عمه وأبوه وأهل بيته. فأبى مهلهل إلا قتله، فطعنه بالرمح وقتله وقال له: (بؤ بشسع نعل كليب)! فلما بلغ قتله الحارث – وكان من أحلم أهل زمانه وأشدهم بأساً- قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل ! فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب، فلم يقبل ذلك.
          وأرسل الحارث إلى مهلهل: إن كنت قتلت بجير بكليب، وانقطعت الحرب بينكم وبين إخوانكم فقد طابت نفسي بذلك. فأرسل إليه مهلهل: إنما قتلته بشسع نعل كليب ! فغضب الحارث ودعا بفرسه – وكانت تسمى النعامة – فجز ناصيتها وهلب ذنبها- الهلب: الشعر كله وقيل في الذنب وحده -.
          ثم ارتحل الحارث مع قومه، حتى نزل مع جماعة بكر بن وائل، وعليهم يومئذ الحارث بن همام، فقال الحارث بن عباد له : إن القوم مستقلون قومك ، وذلك زادهم جرأة عليكم ، فقاتلهم بالنساء ، قال له الحارث بن همام : وكيف قتال النساء ؟ فقال : قلد كل امرأة إداوة من ماء ، وأعطها هراوة ، واجعل جمعهن من ورائكم ، فإن ذلكم يزيدكم اجتهاداً ، وعلموا قومكم بعلامات يعرفنها ، فإذا مرت امرأة على صريع منكم عرفته بعلامته فسقته من الماء ونعشته ، وإذا مرت على رجل من غيركم ضربته بالهراوة فقتلته ، وأتت عليه.
          فأطاعوه، وحلقت بنو بكر يومئذ رؤوسها، استبسالاً للموت ، وجعلوا ذلك علامة بينهم وبين نسائهم ، وقال جحدر بن ضبيعة- وإنما سمي جحدراً لقصره - : لا تحلقوا رأسي ، فإني رجل قصير ، ولا تشينوني ، ولكن أشتريه منكم بأول فارس. يطلع عليكم من القوم، فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله.
          واقتتل الفرسان قتالا شديداً ، وانهزمت بنو ثغلب ، ولحقت بالظعن بقية يومها وليلتها ، واتبعهم سرعان بكر بن وائل ، وتخلف الحارث بن عباد ، فقال لسعد بن مالك : أتراني ممن وضعته الحرب ! فقال : لا ، ولكن لا مخبأ لعطر بعد عروس.
          وأسر الحارث مهلهلاً بعد انهزام الناس وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على المهلهل. قال: ولي دمي ؟ فقال: ولك دمك، قال: ولى ذمتك وذمة أبيك ؟ قال: نعم ، ذلك لك. قال المهلهل- وكان ذا رأي ومكيدة- : فأنا مهلهل خدعتك عن نفسي ، والحرب خدعة، فقال : كافئني بما صنعت لك بعد جرمك ودلني على كفء لبجير ، فقال : لا أعلمه إلا امرأ القيس بن أبان ، هذاك علمه. فجز ناصيته وأطلقه ، وقصد امرئ القيس فشد عليه فقتله .
          فلما رجع مهلهل بعد الوقعة والأسر إلى أهله جعل النساء والوالدان يستخبرونه: تسأل المرأة عن زوجها وابنها وأخيها، والغلام عن أبيه وأخيه ،ثم إن مهلهلاً قال لقومه : قد رأيت أن تبقوا على قومكم ، فإنهم يحبون صلاحكم ، وقد أتت على حربكم أربعون سنة ، وما لمتكم على ما كان من طلبكم ، فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت تمل من طولها ، فكيف وقد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد ، ورب نائحة لا تزال تصرخ في النواحي ، ودموع لا ترفأ ، وأجساد لا تدفن ، وسيوف مشهورة ، ورماح مشرعة ، وإن القوم سيرجعون إليكم غداً بمودتهم ومواصلتهم ، وتتعطف الأرحام حتى تتواصوا ، أما أنا فما تطيب نفسي أن أقيم فيكم، ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب، وأخاف أن أحملكم على الاستئصال ، وأنا سائر عنكم إلى اليمن.
          ثم خرج حتى لحق بأرض اليمن، فخطب إليه أحدهم ابنته فأبى أن يفعل، فأكرهوه وساقوا إليه أدَماً في صداقها فأنكحها إياه ، وكان قد بلغ قبائل بكر وتغلب زواج سليمى في مذحج ، وكان بين القومين منافسة ونفور، فغضبوا وأنفوا، وقصدوا بلاد القوم فأخذوا المرأة وأرجعوها إلى أبيها بعد أن أسروا زوجها.
          وملت جموع تغلب الحرب فصالحوا بكراً، ورجعوا إلى بلادهم ، وتركوا الفتنة ، ولم يحضر المهلهل صلحهم ، ثم اشتاق إلى أهله وقومه ، ولجت عليه ابنته سليمي بالمسير إلى الديار ، فأجابها إلى ذلك ، ورجع نحو قومه ، حتى قرب من قبر أخيه كليب ، وكانت عليه قبة رفيعة ، فلما رآه خنقته العبرة ، وكان تحت بغل نجيب، فلما رأى البغل القبر في غلس الصبح نفر منه هارباً ، فوثب عنه المهلهل ، وضرب عرقوبيه بالسيف ، وسار بعد ذلك حتى نزل في قومه زماناً ، وما وكده – أي قصده - إلا الحرب ، ولا يهم بصلح ، ولا يشرب خمراً ، ولا يلهو بلهو ، ولا يحل لأمته ، ولا يغتسل بماء ، حتى كان جليسه يتأذى منه من رائحة صدأ الحديد.
          فلما كان ذات يوم دخل عليه رجل من تغلب اسمه ربيعة بن الطفيل، وكان له نديماً، فلما رأى ما به قال : أقسمت عليك أيها الرجل لتغتسلن بالماء البارد ، ولتبلن ذوائبك بالطيب ! فقال المهلهل: هيهات ! هيهات ! يا بن الطفيل ، هبلتني إذا يميني ، وكيف باليمين التي آليت ! كلاً أو أقضي من بكر أربى ، ثم تأوه وزفر .
          ونقض الصلح، وعادت الحرب، ثم إن المهلهل أغار غارة على بنى بكر، فظفر به عمرو بن مالك أحد بنى قيس بن ثعلبة، فأسره وأحسن إساره، فمر عليه تاجر يبيع الخمر - وكان صديقاً للمهلهل- فأهدى إليه وهو أسير زقاً من خمر، فاجتمع شبان من قيس بن ثعلبة ونحروا عنده بكراً، وشربوا عند مهلهل في بيته الذي أفرد له ، فلما أخذ فيهم الشراب تغنى مهلهل بشعر ناح فيه على أخيه.
          فلما سمع عوف ذلك غاظه وقال: لا جرم إن الله على نذراً، إن شرب عندي قطرة ماء ولا خمر حتى يورد الخضير – أي لا يشرب شيئاً قبل خمسة أيام -، فقال له أناس من قومه: بئس ما حلفت ! فبعثوا الخيول في طلب البعير فأتوا به بعد ثلاث أيام، وكان المهلهل مات عطشاً.
          أنا تلك المرأة التي لا تفلتر أفكارها كي تخرج لبقة
          أريدها خاماً متسخة كما هي برأسي .. أريد أن أعرف ذلك القابع برأسي لا على لساني...
          تعليق

            #6

            داحس والغبراء:
            كان يا مكان يا سعد يا اكرام ما يحلى الكلام الا بذكر النبي عليه الصلاة و السلام

            من أهم الحروب المروعة المؤلمة التى قامت بسبب السباق هى حرب(داحس والغبراء) وهى أشهر من نار على علم فى تاريخ العرب ، وقد احتدمت نارها أربعين عاماً بين قبيلتى عبس وذبيان أبنى بغيض بن ريث بن غطفان



            وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي سار إلى المدينة ليتجهز لقتال عامر والأخذ بثأر أبيه، فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعاً موصوفةً



            فقال له: لا أبيعها ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك ولكن اشترها بابن لبون ففعل ذلك وأخذ الدرع، وتسمى ذات الحواشي، ووهبه أحيحة أيضاً أدراعاً، وعاد إلى قومه وقد فرغ من جهازه فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي فدعاه إلى مساعدته على الأخذ بثأره فأجابه إلى ذلك



            فلما أراد فراقه نظر الربيع إلى عيبته فقال: ما في حقيبتك ؟ قال: متاع عجيب لو أبصرته لراعك، وأناخ راحلته، فأخرج الدرع من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته ولبسها، فكانت في طوله فمنعها من قيس ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في طلبها، ولج الربيع في منعها فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى مكة وأقام ينتظر غرة الربيع



            ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلإ وأمر أهله فظعنوا، وركب فرسه وسار إلى المنزل، فبلغ الخبر قيساً فسار في أهله وإخوته فعارض ظعائن الربيع وأخذ زمام أمه فاطمة بنت الخرشب وزمام زوجته



            فقالت فاطمة أم الربيع: ما تريد يا قيس ؟ قال: أذهب بكن إلى مكة فأبيعكن بها بسبب درعي قالت: وهيفي ضماني وخل عنا، ففعل فلما جاءت إلى ابنها قالت له في معنى الدرع، فحلف أنهن لا يرد الدرع، فأرسلت إلى قيس أعلمته بما قال الربيع، فأغار على نعم الربيع فاستاق منها أربعمائة بعير وسار بها إلى مكة فباعها واشترى بها خيلاً، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء



            وقيل: إن داحساً كان من خيل بني يربوع، وإن أباه كان أخذ فرساً لرجل من بني ضبة يقال له انيف بن جبلة، وكان الفرس يسمى السبط، وكانت أم داحش لليربوعي، فطلب اليربوعي من الضبي أن ينزي فرسه على حجره فلم يفعل فلما كان الليل عمد اليربوعي إلى فرس الضبي فأخذه فأنزاه على فرسه، فاستيقظ الضبي فلم ير فرسه فنادى في قومه، فأجابوه، وقد تعلق باليربوعي، فأخبرهم الخبر، فغضب ضبة من ذلك،



            فقال لهم: لا تعجلوا، دونكم نطفة فرسكم فخذوها فقال القوم: قد أنصف فسطا عليها رجل من القوم فدس يده في رحمها فأخذ ما فيها، فلم تزد الفرس إلا لقاحاً فنتجت مهراً فسمي داحساً بهذا السبب



            فكان عند اليربوعي ابنان له، أغار قيس بن زهير على بني يربوع فنهب وسبى، ورأى الغلامين أحدهما على داحس والآخر على الغبراء فطلبهما فلم يلحقهما، فرجع وفي السبي أم الغلامين وأختان لهما وقد وقع داحس والغبراء في قلبه، وكان ذلك قبل أن يقع بيته وبين الربيع ما وقع ثم جاء وفد بني يربوع في فداء الأسرى والسبي، فأطلق الجميع إلا أم الغلامين وأختيهما وقال: إن أتاني الغلامان بالمهر والفرس الغبراء وإلا فلا



            فامتنع الغلامان من ذلك، فقال شيخ من بني يربوع كان أسيراً عند قيس، وبعث بها إلى الغلامين، وهي:



            إنّ مهراً فدى الرباب وجمـلاً وسعاداً لخير مـهـر أنـاس

            ادفعوا داحساً بهـنّ سـراعـاً إنّها من فعالـهـا الأكـياس

            دونها والذي يحجّ لـه الـنـا س سبايا يبعـن بـالأفـراس

            إنّ قيساً يرى الجواد من الخي ل حياةً في متلف الأنـفـاس

            يشتري الطّرف بالجراجرة الج لّة يعطي عفواً بغير مكـاس



            فلما انتهت الأبيات إلى بني يربوع قادوا الفرسين إلى قيس وأخذوا النساء



            وقيل: إن قيساً أنزى داحساً على فرس له فجاءت بمهرة فسماها الغبراء ثم إن قيساً أقام بمكة فكان أهلها يفاخرونه، وكان فخوراً،



            فقال لهم: نحوا كعبتكم عنا وحرمكم وهاتوا ما شئتم



            فقال ل عبد الله بن جدعان: إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور وبالحرم الآمن فيم نفاخرك ؟ فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة عنهم، وسر ذلك قريشاً لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته، فقال لإخوته: ارحلوا بنا من عندهم أولاً وإلا تفاقم الشر بيننا وبينهم، والحقوا ببني بدر فإنهم أكفاؤنا في الحسب، وبنو عمنا في النسب، وأشراف قومنا في الكرم، ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا معهم فلحق قيس وإخوته ببني بدر، وقال في مسيره إليهم: أسير إلى بني بدرٍ بأمرٍ هم فيه علينا بالخـيار



            فإن قبلوا الجوار فخـير قـومٍ وإن كرهوا الجوار فغير عار

            أتينا الحارث الخير بن كعـب بنجران وأي لـجـا بـجـار

            فجاورنـا الـذين إذا أتـاهـم غريبٌ حلّ في سعة القـرار

            فيأمن فيهم ويكون مـنـهـم بمنزلة الشّعار من الـدّثـار

            وإن نفرد بحرب بني أبـينـا بلا جار فإنّ الـلـه جـاري



            ثم نزل ببني بدر فنزل بحذيفة، فأجاره هو وأخوه حمل بن بدر، وأقام فيهم، وكان معه أفراس له ولإخوته لم يكن في العرب مثلها، وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس فينظر إلى خيله فيحسده عليها ويكتم ذلك في نفسه، وأقام قيس فيهم زماناً يكرمونه وإخوته، فغضب الربيع ونقم ذلك عليهم وبعث إليهم بهذه الأبيات:



            ألا أبلغ بنـي بـدرٍ رسـولاً على ما كان من شنإ ووتـر

            بأنّي لم أزل لكـم صـديقـاً أدافع عن فزارة كلّ أمـر

            أسالم سلمكم وأردّ عـنـكـم فوارس أهل نجران وحجر

            وكان أبي ابن عمّـكـم زياد صفيّ أبيكم بدر بن عمـرو

            فألجأتم أخا الغدرات قـيسـاً فقد أفعمتم إيغـار صـدري

            فحسبي من حذيفة ضمّ قيس وكان البدء من حمل بن بدر

            فإمّا ترجعوا أرجع إلـيكـم وإن تأبوا فقد أوسعت عذري



            فلم يتغيروا عن جوار قيس فغضب الربيع وغضبت عبس لغضبه، ثم إن حذيفة كره قيساً وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجةً، وعزم قيس على العمرة فقال لأصحابه: إني قد عزمت على العمرة فإياكم أن تلابسوا حذيفة بشيء، واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع فإني قد عرفت الشر في وجهه وليس يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنون على الخيل وكان ذا رأي لا يخطئ في ما يريده، وسار إلى مكة ثم إن فتىً من عبس يقال له ورد ابن مالك أتى حذيفة فجلس إليه، فقال له ورد: لو اتخذت من خيل قيس فحلاً يكون أصلاً لخيلك فقال حذيفة: خيلي خير من خيل قيس، ولجا في ذلك إلى أن تراهنا على فرسين من خيل قيس وفرسين من خيل حذيفة، والرهن عشرة أذواد



            وسار ورد فقدم على قيس بمكة فأعلمه الحال، فقال له: أراك قد أوقعتني في بني بدر ووقعت معي وحذيفة ظلوم لا تطيب نفسه بحق ونحن لا نقر له بضيمٍ ورجع قيس من العمرة، فجمع قومه وركب إلى حذيفة وسأله أن يفكر الرهن، فلم يفعل فسأله جماعة فزارة وعبس فلم يجب إلى ذلك، وقال: إن أقرقيس أن السبق لي وإلا فلا، فقال أبو جعدة الفزاري:



            آل بدرٍ دعوا الرّهـان فـإنّـا قد مللنا اللجاج عند الرهـان

            ودعوا المرء في فزارة جاراً إنّ ما غاب عنكم كالـعـيان

            ليت شعري عن هاشم وحصين وابن عوف وحارث وسنـان

            حين يأتيهم لجـاجـك قـيسـاً رأي صاحٍ أتيت أم نـشـوان



            وسأل حذيفة إخوته وسادات أصحابه في ترك الرهان ولج فيه، وقال قيس: علام تراهنني ؟ قال: على فرسيك داحس والغبراء وفرسي الخطار والحنفاء، وقيل: كان الرهن على فرسي داحس والغبراء قال قيس: داحس أسرع وقال حذيفة: الغبراء أسرع، وقال لقيس: أريد أن أعلمك أن بصري بالخيل أثقب من بصرك؛ والأول أصح فقال له قيس: نفس في الغاية وارفع في السبق فقال حذيفة: الغاية من أبلى إلى ذات الإصاد، وهو قدر مائة وعشرين غلوةً، والسبق مائة بعير، وضمروا الخيل فلما فرغوا قادوا الخيل إلى الغاية وحشدوا ولبسوا السلاح وتركوا السبق على يد عقال ابن مروان بن الحكم القيسي وأعدوا الأمناء على إرسال الخيل



            وأقام حذيفة رجلاً من بني أسد في الطريق وأمره أن يلقى داحساً في وادي ذات الإصاد إن مر به سابقاً فيرمي به إلى أسفل الوادي



            فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقاً بيناً والناس ينظرون إليه وقيس وحذيفة على رأس الغاية في جميع قومهما فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ وعاد إلى الطريق واجتمع مع فرسي حذيفة، ثم سقطت الحنفاء وبقي الغبراء والخطار، فكانا إذا أحزنا سبق الخطار وإذا أسهلا سبقت الغبراء فلما قربا من الناس وهما في وعث من الأرض تقدم الخطار، فقال حذيفة: سبقك يا قيس فقال: رويدك يعلون الجدد؛ فذهبت مثلاً فلما استوت بهما الأرض قال حذيفة: خدع والله صاحبنا



            فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة وعشرين؛ فذهبت مثلاً



            ثم إن الغبراء جاءت سابقة وتبعها الخطار فرس حذيفة، ثم الحنفاء له أيضاً، ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام يسير به على رسله، فأخبر الغلام فيساً بما صنع بفرسه، فأنكر حذيفة ذلك وادعى السبق ظالماً، وقال: جاء فرساي متتابعين، ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين حبسوا داحساً واختلفوا



            وبلغ الربيع بن زياد خبرهم فسره ذلك وقال لأصحابه: هلك والله قيس، وكأني به إن لم يقتله حذيفة وقد أتاكم يطلب منكم الجوار، أما والله لئن فعل ما لنا من ضمه من بد



            ثم إن الأسدي ندم على حبس داحس فجاء إلى قيس واعترف بما صنع، فسبه حذيفة



            ثم إن بني بدر قصروا بقيس وإخوته وآذوهم بالكلام، فعاتبهم قيس، فلم يزدادوا إلا بغياً عليه وإيذاءً له



            ثم إن قيساً وحذيفة تناكرا في السبق حتى هما بالمؤاخذة، فمنعهما الناس، وظهر لهم بغي حذيفة وظلمه، ولج في طلب السبق، فأرسل ابنه ندبة إلى قيس يطالبه به، فلما أبلغه الرسالة طعنه فقتله وعادت فرسه إلى أبيه ونادى قيس: يا بني عبس الرحيل ?! فرحلوا كلهم، ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده قتل، فصاح في الناس وركب في من معه وأتى منازل بني عبس فرآها خاليةً ورأى ابنه قتيلاً، فنزل إليه وقبل بين عينيه ودفنوه



            وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجاً في فزارة وهو نازلٌ فيهم، فأرسل إليه قيس: أني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت فالحق بنا وإلا قتلت فقال: إنما ذنب قيس عيه، ولم يرحل، فأرسل قيس إلى الربيع ابن زياد يطلب منه العود إليه والمقام معه إذ هم عشيرة وأهل، فلم يجبه ولم يمنعه، وكان مفكراً في ذلك



            ثم إن بني بدر قتلوا مالك بن زهير أخا قيس، وكان نازلاً فيهم، فبلغ مقتله بني عبس والربيع بن زياد، فاشتد ذلك عليهم، وأرسل الربيع إلى قيس عيناً يأتيه بخبره، فسمعه يقول أينجو بنو بدرٍ بمقتل مـالـك ويخذلنا في النائبات ربـيع



            وكان زيادق قبله يتّقـى بـه من الدهر إن يومٌ ألمّ فظيع

            فقل لربيعً يحتذي فعل شيخه وما النّاس إلاّ حافظٌ ومضيع

            وإلاّ فما لي في البلاد إقامةٌ وأمر بني بدرٍ عليّ جمـيع



            فرجع الرجل إلى الربيع فأخبره، فبكى الربيع على مالك وقال



            منع الرّقاد فما أغمّض سـاعةً جزعاً من الخبر العظيم الساري

            أفبعد مقتل مالـك بـن زهـير يرجو النساء عواقب الأطهـار

            من كان مسروراً بمقتل مالـكٍ فليأت نسوتنا بـوجـه نـهـار

            يجد النساء حواسـراً ينـدبـنـه ويقمن قبل تبلّـج الأسـحـار

            يضربن حرّ وجوههنّ على فتىً ضخم الدسيعة غير ما خـوّار

            قد كنّ يكننّ الوجوه تـسـتّـراً فاليوم حين برزن للـنـظّـار



            وهي طويلة



            فسمعها قيس فركب هو وأهله وقصدوا الربيع بن زياد وهو يصلح سلاحه، فنزل إليه قيس وقام الربيع فاتنقا وبكيا وأظهرا الجزع لمصاب مالك، ولقي القوم بعضهم بعضاً فنزلوا فقال قيس للربيع: إنه لم يهرب منك من لجأ إليه، ولم يستغن عنك من استعان بك، وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك، وإنما أنا بقومي وقومي بك وقد أصاب القوم مالكاً، ولست أهم بسوء لأني إن حاربت بني بدر نصرتهم بنو ذبيان، وإن حاربتني خذلني بنو عبس إلا أن تجمعهم علي، وأنا والقوم في الدماء سواءٌ، قتلت ابنهم وقتلوا أخي، فإن نصرتني طمعت فيهم، وإن خذلتني طمعوا في فقال الربيع: يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما لا أراه لي، ولا ينفعك أن ترى لي ما لا أراه لك، وقد مال علي قتل مالك وأنت ظالم ومظلوم، ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم، وقتلوا أخاك بابنهم، فإن يبؤ الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك، وأحب الأمرين إلي مسالمتهم ونخلو بحرب هوازن وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاؤوا ونزلوا مع الربيع، وأنشدهم عنترة بن شداد مرثيته في مالك:



            فلله عينا من رأى مثل مالـكٍ عقيرة قومٍ أن جرى فرسـان

            فليتهما لم يطعما الدهر بعدهـا وليتهما لم يجمعـا لـرهـان

            وليتهما ماتا جميعـاً بـبـلـدةٍ وأخطاهما قـيسٌ فـلا يريان

            لقد جلبا جلباً لمصرع مـالـكٍ وكان كريماً ماجداً لهـجـان

            وكان إذا ما كـان يوم كـريهةٍ فقد علموا أنّي وهو فـتـيان

            وكنّا لدى الهيجاء نحمي نساءنا ونضرب عند الكرب كلّ بنان

            فسوف ترى إن كنت بعدك باقياً وأمكنني دهري وطول زماني

            فأقسم حقّاً لو بقيت لـنـظـرة لقرّت بها عيناك حين ترانـي



            وبلغ حذيفة أن الربيع وقيساً اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء وقيل: إن بلاد عبس كانت قد أجدبت فانتجع أهلها بلاد فزارة، وأخذ الربيع جواراً من حذيفة وأقام عندهم فلما بلغه مقتل مالك قال لحذيفة: لي ذمتي ثلاثة أيام فقال حذيفة: ذلك لك فانتقل الربيع من بني فزارة فبلغ ذلك حمل بن بدر فقال لحذيفة أخيه: بئس الرأي رأيت ! قتلت مالكاً وخلّيت سبيل الربيع ! والله ليضرمنها عليك ناراً ! فركبا في طلب الربيع، ففاتهما، فعلما أنه قد أضمر الشر



            واتفق الربيع وقيس، وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس، وجمع الربيع وقيس قومهما واستعدوا للحرب، فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعماً ورجالاً، فحميت عبس واجتمعت للغارة، فنذرت بهم فزارة فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء يقال له العذق، وهي أول وقعة كانت بينهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل عوف بن يزيد، قتله جندب بن خلف العبسي وانهزمت فزارة وقتلوا قتلاً ذريعاً، وأسر الربيع بن زياد حذيفة ابن بدر، وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف، وله سيف قاطع يسمى الأصرم، فأراد ضربه بالسيف لما أسر وفاء بنذره، فأرسل الربيع إلى امرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه عاقبة ذلك، فأبى إلا ضربه، فوضعوا عليه الرجال، فضربه، فلم يصنع السيف شيئاً وبقي حذيفة أسيراً



            ففعلوا ذلك وجاء حذيفة ومن معه فاشتغلوا بالنهب، فنهاهم حذيفة وغيرهم فلم يقبلوا منه، وكانوا على الحال التي وصف قيس وعادت بنو عبس وقد تفرقت أسد وغيرهم، وبقي بنو فزارة في آخر الناس، فحملوا عليهم من جوانبهم فقتل مالك بن سبيع التغلبي سيد غطفان، وانهزمت فزارة وحذيفة معهم وانفرد في خمسة فوارس وجد في الهرب وبلغ خبره بني عبس، فتبعه قيس بن زهير والربيع بن زياد وقرواش بن عمرو بن الأسلع وريان بن الأسلع الذي قتل حذيفة ابنيه، وتبعوا أثرهم في الليل، وقال قيس: كأني بالقوم وقد وردوا جفر الهباءة ونزلوا فيه، فساروا ليلتهم كلها حتى أدركوهم مع طلوع الشمس في جفر الهباءة في الماء، وقد أرسلوا خيولهم فأخذوا بجمعها، فمحال قيس وأصحابه بينهم وبينها، وكان مع حذيفة في الجفر أخوه حمل بن بدر وابنه حصن بن حذيفة وغيرهم فهجم عليهم قيس والربيع ومن معهما وهم ينادون: لبيكم لبيكم ! يعني أنهم يجيبون نداء الصبيان لما قتلوا ينادون: يا أبتاه !



            فقال لهم قيس: يا بني بكر كيف رأيتم عاقبة البغي ؟ فناشدوهم الله الرحم، فلم يقبلوا منهم



            ودار قرواش ابن عمرو حتى وقف خلف ظهر حذيفة فضربه فدق صلبه، وكان قرواش قد رباه حذيفة حتى كبر عنده في بيته، وقتلوا حملاً أخاه وقطعوا رأسيهما واستبقوا حصن بن حذيفة لصباه



            وكان عدد من ؟ قتل في هذه الوقعة من فزارة وأسد وغطفان ما يزيد على أربعمائة قتيل، وقتل من عبس ما يزيد على عشرين قتيلاً، وكانت فزارة تسمي هذه الوقعة البوار؛ وقال قيس ابن زهير:



            أقام على الهباءة خير ميتٍ وأكرمـه حـذيفة لا يريم

            لقد فجعت به قيسٌ جميعـاً موالي القوم والقوم الصميم

            وعمّ به لمقتـلـه بـعـيدٌ وخصّ به لمقتله حـمـيم

            وهي طويلة؛



            وقال أيضاً:





            ألم تر أنّ خير الناس أمسى على جفر الهباءة لا يريم

            فلولا ظلمه ما زلت أبكـي عليه الدهر ما طلع النجوم

            ولكنّ الفتى حمل بن بـدر بغى والبغي مرتعه وخيم



            وأكثروا القول في يوم الهباءة



            ثم إن عبساً ندمت على ما فعلت يوم الهباءة، ولام بعضهم بعضاً، فاجتمعت فزارة إلى سنان بن أبي حارثة المري وشكوا إليه ما نزل بهم، فأعظمه وذم عبساً وعزم على أن يجمع العرب ويأخذ بثأر بني بدر وفزارة، وبث رسهل فاجتمع من العرب خلقٌ كثير لا يحصون، ونهى أصحابه عن التعرض إلى الموال والغنيمة وأمرهم بالصبر، وساروا إلى بني عبس فلما بلغهم مسيرهم إليهم قال قيس: الرأي أننا لا نلقاهم، فإننا قد وترناهم فهم يطالبوننا بالذخول والطوائل، وقد رأوا ما نالهم بالأمس باشتغالهم بالنهب والمال فهم لا يتعرضون إليه الآن، والذي ينبغي أن نفعله أننا نرسل الظعائن والأموال إلى بني عامر، فإن الدم لنا قبلهم فهم لا يتعرضون لكم ويبقى أولو القوة والجلد على ظهور الخيل ونماطلهم القتال، فإن أبوا إلا القتال كنا قد أحرزنا أهلينا وأموالنا وقاتلناهم وصبرنا لهم، فإن ظفرنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد احترزنا ولحقنا بأموالنا ونحن على حامية

            ففعلوا ذلك



            يوم ذات الجراجر وسارت ذبيان ومن معها فلحقوا بني عبس على ذات الجراجر فاقتتلوا قتالاً شديداً يومهم ذلك وافترقوا فلما كان الغد عادوا إلى اللقاء فاقتتلوا أشد من اليوم الأول، وظهرت في هذه الأيام شجاعة عنترة ابن شداد فلما رأى الناس شدة القتال وكثرة القتلى لاموا سنان بن أبي حارثة على منعه حذيفة عن الصلح وتطيروا منه وأشاروا عليه بحقن الدماء ومراجعة السلم، فلم يفعل وأراد مراجعة الحرب في اليوم الثالث فلما رأى فتور أصحابه وركونهم إلى السلم رحل عائداً فلما عاد عنهم رحل قيس وبنو عبس إلى بني شيبان بن بكر وجاوروهم وبقوا معهم مدةً، فرأى قيس من غلمان شيبان ما يكرهه من التعرض لأخذ أموالهم فرحلوا عنهم، فتبعهم جمع من شيبان، فلقيتهم بنو عبس واقتتلوا، فانهزمت شيبان وسارت عبس إلى هجر ليحالفوا ملكهم، وهو معاوية بن الحارث الكندي، فعزم معاوية على الغارة عليهم ليلاً، فبلغهم الخبر فساروا عنه مجدين، وسار معاوية مجداً في اثرهم، فتاه بهم الدليل على عمد لئلا يدركوا عبساً إلا وهم قد لحقهم ودوابهم النصب، فأدركوهم بالفروق فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم معاوية وأهل هجر وتبعتهم عبس فأخذت من أموالهم وقتلوا منهم ما أرادوا ورجعوا سائرين فنزلوا بماء يقال له عراعر عليه حي من كلب، فركبوا ليقاتلوا بني عبس، فبرز الربيع وطلب رئيسهم، فبرز إليه، واسمه مسعود بن مصاد الكلبي فاقتتلا حتى سقطا إلى الأرض، وأراد مسعود قتل الربيع، فانحسرت البيضة عن رقبته، فرماه رجل من بني عبس بسهم فقتله، فثار به الربيع فقطع رأسه، وحملت عبس على كلب والرأس على رمح فانهزمت كلب وغنمت عبس أموالهم وذراريهم، فساروا إلى اليمامة فحالفوا أهلها من بني حنيفة وأقاموا ثلاث سنين، فلم يحسنوا جوارهم وضيقوا عليهم فساروا عنهم، وقد تفرق كثير منهم وقتل منهم وهلكت دوابهم ووترهم العرب فراسلتهم بنو ضبة وعرضوا عليهم المقام عندهم ليستعينوا بهم على حرب تميم، ففعلوا وجاوروهم



            فلما انقضى الأمر بين ضبة وتميم تغيرت ضبة لعبسٍ وأرادوا اقتطاعهم، فحاربتهم عبس فظفرت وغنمت من أموال ضبة وسارت إلى بني عامر وحالفوا الأحوص بن جعفر بن كلاب، فسر بهم ليقوى بهم على حرب بني تميم لأنه كان بلغه أن لقيط بن زرارة يريد غزو بني عامر والأخذ بثأر أخيه معبد، فأقامت عبس عند بني عامر، فقصدتهم تميم، وكانت وقعة شعب جبلة، وسنذكره إن شاء الله



            ثم إن ذبيان غزوا بني عامر بن صعصعة وفيهم بنو عبس فاقتتلوا، فهزمت عامر وأسر قرواش بن هني العبسي ولم يعرف فلما قدموا به الحي عرفته امرأةٌ عنهم، فلما عرفوه سلموه إلى حصن بن حذيفة فقتله



            ثم رحلت عبس عن عامر ونزلت بتيم الرباب، فبغت تيم عليهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً وتكاثرت عليهم تيم فقتلوا من عبس مقتلة عظيمة ورحلت عبس وقد ملوا الحرب وقلت الرجال والأموال وهلكت المواشي، فقال لهم قيس: ما ترون ؟ قالوا: نرجع إلى أخواننا من ذبيان فالموت معهم خير من البقاء مع غيرهم



            فساروا حتى قدموا على الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وقيل: على هرم بن سنان بن أبي حارثة ليلاً، وكان عند حصن ابن حذيفة بن بدر فلما عاد ورآهم رحب بهم وقال: من القوم ؟ قالوا: إخوانك بنو عبس، وذكروا حاجتهم فقال: نعم وكرامة أعلم حصن ابن حذيفة فعاد إليه وقال: طرقت في حاجة، قال: أعطيتها، قال بنو عبس: وجدت وفودهم في منزلي قال حصن: صالحوا قومكم، أما أنا فلا أدي ولا أتدي، قد قتل آبائي وعمومتي عشرين من عبس؛ فعاد إلى عبس وأخبرهم بقول حصن وأخذهم إليه، فلما رآهم قال قيس والربيع ابن زياد: نحن ركبان الموت قال: بل ركبان السلم، إن تكونوا اختللتم إلى قومكم فقد اختل قومكم إليكم ثم خرج معهم حتى أتوا سناناً فقال له: قم بأمر عشيرتك وأصلح بينهم فإني سأعينك ففعل ذلك وتم الصلح بينهم وعادت عبس



            وقيل: إن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان وقال: لا تراني غطفانيةٌ أبداً وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عمان فترهب بها زماناً، فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه فقتله وقال: لا رحمني الله إن رحمتك



            وقيل: إن قيساً تزوج في النمير بن قاسط لما عادت عبس إلى ذبيان، وولد له ولد اسمه فضالة، فقدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعقد له على من معه من قومه، وكانوا تسعة وهو عاشرهم



            انقضى حرب داحس والغبراء، والحمد لله
            أنا تلك المرأة التي لا تفلتر أفكارها كي تخرج لبقة
            أريدها خاماً متسخة كما هي برأسي .. أريد أن أعرف ذلك القابع برأسي لا على لساني...
            تعليق

              #7
              بارك الله فيكى وجزاكى خيرا وشكرا لكى
              تعليق

                #8
                سيف بن ذي يزن

                سيرة شعبية خيالية تروي حكاية سيف بن ذي يزن الملك اليمني الذي طرد الأحباش من اليمن. وبعيداً عن التاريخ، تُحلق السيرة بعيداً في الأسطورة، فتلبس الملك سيف بن ذي يزن لباساً غير بشري، و تجعل له أصولاً جنية، فأمه إحدى ملكات الجن، و له أخت منهن. وتحكي السيرة عن زوجة سيف منية النفوس، و كيف اختطفها الأحباش و استعادها سيف منهم، كما تحكي عن ولده معد يكرب. وتجعل السيرة من سيف موحداً مسلماً على دين إبراهيم الخليل، و من الأحباش وثنيين يعبدون الكواكب و النجوم، رغم أن دين الأحباش كان النصرانية.



                وفي السيرة إشارات قومية واضحة كما أن الخيال يجمح بها فيجعل من سيف بن ذي يزن ملكاً متوجاً على الإنس والجن. وتشير السيرة إلى اختفاء سيف في آخر أيامه لاحقاً بأمه في عالمها. امتدت تأثيرات هذه السيرة على امتداد العالم الإسلامي، فدخلت الأدب الماليزي على أنها سيرة الملك يوسف ذي الليزان، وأثرت في الأدب القصصي في تلك البلاد مع السير العربية الأخرى. تقع السيرة في تسعة عشر مجلداً، وهي واحدة من أطول السير العربية. أنتجت اليمن مسلسلاً عن سيرة حياة سيف بن ذي يزن بالتعاون مع خبرات فنية من سوريا.



                "سيف بن ذي يزن"

                ملك يمني حميري عاش في الفترة بين 516 – 574، اشتهر بطرد الأحباش من اليمن، وتولى الملك فيها. نسبه الكلبي فقال: سيف بن ذي يزن بن عافر بن أسلم بن زيد، من أذواء حمير.



                دخل سيف بن ذي يزن القصص الشعبية، فسيرته مشهورة، وهي من أضخم السير العربية، و فيها اختلط الخيال بالوقائع التاريخية، و جمح، فأصبح سيف بن ذي يزن ابناً لأم من الجن، و صاحب سيادة فيهم. وغير ذلك من أفانين الخيال.



                حكم الأحباش اليمن فترة طويلة من الزمان، فطغوا وتجبروا، وأرهقوا أهل اليمن، فخرج سيف بن ذي يزن إلى قيصر الروم ليرجوه أن يكف يد الأحباش عن اليمن، ويولي عليها من يشاء من الروم، فأجابه أن الأحباش على دين النصارى كالروم. فعاد سيف ووفد على النعمان بن المنذر عامل فارس على الحيرة، فشكى إليه، واستمهله النعمان حتى وفادته على كسرى، فلما وفد قدمه إليه، وأخبره بمسألته، فقال كسرى عن أرض اليمن إنما هي أرض شاه وبعير، ولا حاجة لنا بها، وأعطى سيفاً بعض الدنانير فنثرها سيف، وقال: إنما جبال بلادي ذهب وفضة. فشاور كسرى رجاله في الأمر، فأشاروا عليه بإرسال السجناء الذي سجنوا لاتهامهم بالقتل للقتال مع سيف بن ذي يزن، فإن هلكوا، كان ذلك ما يريده كسرى، وإن ظفروا باليمن من الأحباش انضمت ولاية جديدة إلى أعمال فارس. فعمل كسرى بالمشورة، وأرسل مع سيف جيشاً من المحكومين بالقتل.



                فنزل سيف باليمن، وجمع من قومه من استطاع جمعهم، فخرج إليه مسروق بن أبرهه في مائة ألف من الأحباش، ومن أوباش اليمن، فهزمهم سيف وأذهب ريحهم، وتملك على اليمن بأمر من كسرى على فريضة يؤديها له كل عام، وأبقى كسرى نائباً فارسياً للدولة في جماعة من الفرس في اليمن.



                وجاءت وفود العرب إلى سيف بن ذي يزن لتهنئه بالملك، وفيهم وفد من قريش فيه عبد المطلب، فأكرم وفادتهم، و أجزل لهم العطايا.



                وقيل إن سيفاً دخل الحبشة، فأمعن في أهلها تقتيلاً، و استرق جماعة من الرجال الأحباش فأخصاهم و جعلهم يمشون بين يديه و يتقدمون مواكبه.



                وقيل قتله هؤلاء الرجال غدراً في غفلة منه عن مراقبتهم، فلما عرف بذلك نائب كسرى على اليمن ركب إليهم، وقتلهم، ثم جاءه كتاب كسرى أن يقتل كل الأحباش، وكل من انتسب إليهم في اليمن، ففعل، وتولى على اليمن، و بعدها صار الحكم للفرس، فزالت دولة العرب، و لم تقم لملوك حمير قائمة بعدها. وقيل تآمر الفرس على قتله لتصير اليمن ولاية فارسية بالكامل.



                لمّا اشتد البلاء على أهل اليمن، خرج سيف بن ذي يزن وكنيته أبو مرة حتى قدم إلى قيصر الروم. وقد فضّل الذهاب إليه بدلا عن كسرى لإبطاء هذا الأخير عن نصر أبيه. فإن أباه كان قد قصد كسرى "أنوشروان" لما أُخِذت زوجته يستنصره على الحبشة فوعده فأقام ذو يزن عنده دون جدوى إلى أن مات على بابه‏.



                وتربى سيف مع أمه في حجر أبرهة الحبشي وهو يحسب أنه ابنه فسبه ذات مرة ولد لأبرهة وسب أباه فسأل أمه عن أبيه فأعلمته خبره بعد مراجعة بينهما فأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم ثم سار إلى الروم فلم يجد عند ملكهم ما يحب لموافقته الحبشة في الدين فعاد إلى كسرى فاعترضه يومًا وقد ركب فقال له‏:‏ إن لي عندك ميراثًا فدعا به كسرى لما نزل فقال له‏:‏ من أنت وما ميراثك قال‏:‏ أنا ابن الشيخ اليماني الذي وعدته النصرة فمات ببابك فتلك العدة حق لي وميراث‏.‏



                فرق كسرى له وقال له‏:‏ بعدت بلادك عنا وقل خيرها والمسلك إليها وعرٌ ولست أغرر بجيشي‏.‏



                وأمر له بمال فخرج وجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فسمع كسرى فسأله ما حمله على ذلك فقال‏:‏ لم آتك للمال وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان وإن جبال بلادنا ذهب وفضة‏.‏



                فأعجب كسرى بقوله وقال‏:‏ يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني واستشار وزراءه في توجيه الجند معه فقال له "موبذان موبذ‏:‏ أيها الملك إن لهذا الغلام حقًا بنزوعه إليك وموت أبيه ببابك وما تقدم من عدته بالنصرة وفي سجونك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن أصابوا ظفرًا كان للملك وإن هلكوا فقد استراح وأراح أهل مملكته منهم‏.‏



                فقال كسرى‏:‏ هذا الرأي‏.‏



                فأمر بمن في السجون فأحضروا فكانوا ثمانمائة فقود عليهم قائدًا من أساورته يقال له "وهرز" وقيل‏:‏ بل كان من أهل السجون سخط عليه كسرى لحدث فحبسه وكان يعدله بألف أسوار وأمر بحملهم في ثماني سفن فركبوا البحر فغرق سفينتان وخرجوا بساحل حضرموت ولحق بابن ذي يزن بشرٌ كثير وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب وجعل "وهرز" البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع أصحابه في النجاة وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على أبدانهم وقال لأصحابه‏:‏ إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه فإن كنتم تقاتلون معي وتصبروني أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري فانظروا ما حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه‏.‏



                قالوا‏:‏ بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر‏.‏

                وقال لسيف بن ذي يزن‏:‏ ما عندك قال‏:‏ ما شئت من رجل عربي وسيف عربي ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعًا أو نظفر جميعًا‏.‏

                قال‏:‏ أنصفت‏.‏

                فجمع إليه سيف من استطاع من قومه فكان أول من لحقه السكاسك من كندة‏.‏

                وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده فعبأ "وهرز" أصحابه وأمرهم أن يوتروا قسيهم وقال‏:‏ إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقًا‏.‏

                وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه وهو على فيل وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيئًا‏.‏

                وكان وهرز كل بصره فقال‏:‏ أروني عظيمهم‏.‏



                فقالوا‏:‏ هذا صاحب الفيل ثم ركب فرسًا فقالوا‏:‏ ركب فرسًا ثم انتقل إلى بلغة فقالوا‏:‏ ركب بغلة‏.‏



                فقال وهرز‏:‏ ذل وذل ملكه‏!‏ وقال وهرز‏:‏ ارفعوا لي حاجبي وكانا قد سقطا على عينيه من الكبر فرفعوهما له بعصابة ثم جعل نشابة في كبد قوسه وقال‏:‏ أشيروا إلى مسروق فأشاروا إليه فقال لهم‏:‏ سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفًا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوؤذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتموهم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبته فاحملوا عليهم‏.‏



                ثم رماه فأصاب السهم بين عينيه ورمى أصحابه فقتل مسروق وجماعة من اصحابه فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن دابته وحملت الفرس عليهم فلم يكن دون الهزيمة شيء وغنم الفرس من عسكرهم ما لا يحد ولا يحصى‏.‏



                وقال وهرز‏:‏ كفوا عن العرب واقتلوا السودان ولا تبقوا منهم أحدًا‏.‏

                وهرب رجل من الأعراب يومًا وليلة ثم التفت فرأى في جعبته نشابة فقال‏:‏ لأمك الويل‏!‏ أبعدٌ أم طول مسير‏!‏ وسار وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف‏.‏

                وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة ملوك‏:‏ أرياط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم مسروق بن أبرهة وقيل‏:‏ كان ملكهم نحوًا من مائتي سنة وقيل غير ذلك والأول أصح‏.‏



                فلما ملك وهرز اليمن أرسل إلى كسرى يعلمه بذلك وبعث إليه بأموال وكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن وبعضهم يقول معدي كرب بن سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وفرض عليه كسرى جزية وخراجًا معلومًا في كل عام فملكه وهرز وانصرف إلى كسرى وأقام سيف على اليمن ملكًا يقتل الحبشة ويبقر بطون الحبال عن الحمل ولم يترك منهم إلا القليل جعلهم خولًا فاتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بالحراب فمكث غير كثير ثم إنه خرج يومًا والحبشة يسعون بين يديه بحرابهم فضربوه بالحراب حتى قتلوه فكان ملكه خمس عشرة سنة ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأفسد فلما بلغ ذاك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف فارس وأمره أن لا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله صغيرًا أو كبيرًا ولا يدع رجلًا جعدًا قططًا قد شرك فيه السودان إلا قتله وأقبل حتى دخل اليمن ففعل ما أمره وكتب إلى كسرى يخبره فأقره على ملك اليمن فكان يجيبها لكسرى حتى هلك وأمر بعده كسرى ابنه المرزبان بن وهرز حتى هلك ثم أمر بعده كسرى التينجان بن المرزبان ثم أمر بعده خر خسرة بن التينجان بن المرزبان‏.‏



                ثم إن كسرى أبرويز غضب عليه فأحضره من اليمن فلما قدم تلقاه رجل من عظماء الفرس فألقى عليه سيفًا كان لأبي كسرى فأجاره كسرى بذلك من القتل وعزله عن اليمن وبعث باذان إلى اليمن فلم يزل بها حتى بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم‏.‏



                وقيل‏:‏ إن أنوشروان استعمل بعد وهرز زرين وكان مسرفًا إذا أراد أن يركب قتل قتيلًا ثم سار بين أصواله فمات أنوشروان وهو على اليمن فعزله ابنه هرمز‏.‏

                يتبع ...
                أنا تلك المرأة التي لا تفلتر أفكارها كي تخرج لبقة
                أريدها خاماً متسخة كما هي برأسي .. أريد أن أعرف ذلك القابع برأسي لا على لساني...
                تعليق
                Working...
                X